كان معروفا تماما أن قطاع غزة سيتعرض لما تعرض له من عدوان وحشي مدان، وذلك في ضوء اعلان «حماس» أن «التهدئة» انتهت.كشفت «حماس» بذلك عمق الأزمة السياسية التي تعاني منها في غياب القدرة على الخروج بمشروع سياسي قابل للتطبيق بعيدا عن الشعارات الطنانة والرنانة التي لا معنى لها.لم تفاجئ اسرائيل أحدا، لم يعد الأمر سرّا عسكريا، خصوصا بعدما صارت «التهدئة» عبئا على الحركة الإسلامية التي تفردت بحكم غزة منذ منتصف العام 2007 بعد الانقلاب الناجح الذي نفذته بواسطة الميليشيات المسلحة التابعة لها على رأسها «القوة التنفيذية» المدعومة مباشرة من إيران.لم يعد أمام «حماس» سوى الانتهاء من «التهدئة» بسبب وصولها إلى طريق مسدود في غياب امتلاكها لمشروع سياسي واقعي باستثناء عرض هدنة طويلة على اسرائيل في مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة في العام 1967... هل مثل هذا العرض مرتبط بالواقع السياسي وبموازين القوى الإقليمية والدولية، أم أنه مجرد هلوسة يقدم عليها طرف لا يريد تسوية ويصرّ على البقاء أمينا لايديولوجيته القائمة على فكرة أن «فلسطين كلها وقف اسلامي». هل يدرك هذا الطرف أن مثل هذا الطرح أفضل خدمة يمكن تقديمها لاسرائيل التي تراهن بدورها على الوقت لفرض أمر واقع جديد على الأرض الفلسطينية؟تصرّفت «حماس» على طريقة من يضحك على نفسه أوّلا.لم تتعلم شيئا من تجارب الماضي القريب، خصوصا من الكارثة التي حلّت بالشعب الفلسطيني نتيجة القرار الذي اتخذه ياسر عرفات الزعيم التاريخي لهذا الشعب في أواخر العام 2000 تحت وطأة فشل قمة كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك والرئيس بيل كلينتون والقاضي بعسكرة الانتفاضة.هل كانت «حماس» تبحث فعلا عن عدوان اسرائيلي في هذا الحجم اعتقادا منها أن مثل هذا العدوان سيخرجها من مأزقها السياسي؟ ألم تدرك «حماس» في الوقت ذاته أن اسرائيل المقبلة على انتخابات عامة تعاني بدورها من مأزق سياسي؟ألم تدرك أن حكومة ايهود أولمرت التي تشغل فيها تسيبي ليفني موقع وزيرة الخارجية وايهود باراك موقع وزير الدفاع يمكن أن تذهب بعيدا جدا في ردها على انتهاء «التهدئة» نظرا إلى أن المستقبل السياسي لكلّ من ليفني وباراك بات مرتبطا بغزة وباستمرار إطلاق صواريخ من القطاع؟المؤسف أن رهانات «حماس» تبدو مبنية على حسابات خاطئة، اللهمّ الا اذا كانت تعتقد أن في استطاعتها تحقيق انتصار سياسي على حساب غزة وأهل غزة، على غرار الانتصار الذي حققه «حزب الله» صيف العام 2006 عندما اعتبر أن الهزيمة التي لحقت بلبنان تشكل انتصارا له.ربما كان ذلك ما تتطلع إليه «حماس» التي تتوقع في مرحلة ما صدور قرار عن مجلس الأمن يدعو إلى وقف العدوان الاسرائيلي من جهة ويوقف الصواريخ المضحكة - المبكية التي تطلقها انطلاقا من غزة في اتجاه القرى والبلدات الاسرائيلية من جهة أخرى. هذا يعني في طبيعة الحال اعترافا دوليا بـ «حماس»، التي تستطيع عندئذ الانصراف إلى اخضاع غزة وأهلها وتدجينهم مستندة إلى الاعتراف الدولي بها.وبكلام أوضح، تعود «حماس» إلى «التهدئة» بعد تكبيد الشعب الفلسطيني مئات القتلى والجرحى وخسائر ضخمة في الممتلكات ولكن تحت مبرر أن المجتمع الدولي فرض عليها هذه العودة.كان مخطط «حماس» يستهدف الذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى احراج مصرمن الواضح أن هذا الجانب من المخطط لم ينجح، أقلّه الى الآن، ولكن يبقى أن الجانب الاسوأ في الحسابات الخاطئة لـ «حماس» الاعتقاد أن الشارع العربي سيتحرك وأن السماء ستهبط على الأرض وعلى رؤوس الأنظمة العربية التي لا تعجب ايران.كل ما في الامر أن قمة عربية ستعقد قريبا في الدوحة، كما قد لا تعقد مثل هذه القمة، وأن البيان الذي سيصدر في حال انعقاد القمة، معروف نصه سلفا اذ سيؤكد مجددا على التزام مبادرة السلام العربية التي ترفضها «حماس»، علما بأنها تمثل خشبة الخلاص بالنسبة اليها، على الرغم من غياب الطرف الذي يعرف كيف يمكن تسويق مبادرة من هذا النوع.اختارت «حماس» التوقيت الخاطئ في التصعيد مع اسرائيل قبل ستة أسابيع من موعد الانتخابات العامة فيها. أرادت احراج رأسي حكومة أولمرت وهما ليفني وباراك.لم تأخذ في الاعتبار أن زعيمة حزب «كاديما» ليست ملاكا كما أن زعيم حزب العمل ليس عبقريا في السياسة لكنه يمتلك خبرة عسكرية كبيرة بصفة كونه رئيسا سابقا للأركان، اضافة إلى أنه شارك في عمليات خاصة عدة أدت إلى اغتيال قادة فلسطينيين، بما في ذلك عملية بيروت في العام 1973 التي استشهد فيها أبو يوسف النجّار وكمال عدوان وكمال ناصر.ولم تأخذ في الاعتبار أيضا أن المؤسسة العسكرية والأمنية في الدولة العبرية بدأت تدرك، بعد استفادتها من دروس حرب لبنان الأخيرة، معنى أن تكون لديها على حدودها الجنوبية «امارة اسلامية» تتدفق عليها الصواريخ والأسلحة والمتفجرات التي تتحكم بها ايران وخطورة ذلك في المدى الطويل.بكلام واضح كل الوضوح، ليس أمام «حماس» سوى القبول بوقف للنار في مرحلة ما.سيكون عليها وقف اطلاق الصواريخ.هل تبقى غزّة تحت سيطرتها؟هذا هو السؤال الكبير.ليس مستبعدا أن يحصل ذلك في ظل اتفاق «تهدئة» يحظى بغطاء دولي في شكل قرار صادر عن مجلس الأمن. مثل هذا الاتفاق الذي يبقي الحركة الإسلامية مسيطرة على القطاع سيشكل أكبر خدمة تقدم إلى اسرائيل لسببين.الأول أنه يكرس وجود كيانين فلسطينيين منفصلين إلى أبد الآبدين، والآخر أنه يضعف السلطة الوطنية الفلسطينية التي لن تكون قادرة في أي وقت على التفاوض من موقع معقول مع الحكومة الاسرائيلية.لن تقبل اسرائيل في أي شكل أن تكون في غزة صواريخ تتحكم بها ايران. لا يبدو أنها معنية بأن تكون «حماس» مسيطرة على غزة أم لا.«حماس» مشكلة فلسطينية قبل أي شيء آخر.ليس ما يخدم اسرائيل أكثر من أن تكون «حماس» واجهة الشعب الفلسطيني في العالم. مثل هذه الواجهة ستسمح لها بأن تكسب كل المعارك السياسية في الأمم المتحدة والعواصم الدولية حتى قبل أن تخوضها.المهم توقف الصواريخ التي تطلق من القطاع. بين غزة والصواريخ، ستختار «حماس» غزة.السلطة أهم من زوال الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. السلطة أهمّ من دماء أبناء الشعب الفلسطيني.ألم يقل رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية إن «لا تراجع حتى لو أبادت اسرائيل غزة».ماذا يعني هذا الكلام غير أن «حماس» على استعداد للتمسك بالسلطة... حتى آخر فلسطيني!
__________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق